أحمد بن يحيى العمري

183

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

فأتيناه وهو في قريته ، مثل الملك في قلعته ، للتجمل الظاهر ، والحشمة الزائدة ، والفرش الأطلس ، وآنية الذهب والفضة ، والعصار الصيني ، وأشياء تفوت العد ، إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان ، والأطعمة المنوعة فلما دخلنا عليه لم يحتفل بنا ، وأتاه الأمير علم الدين ، فقبل يده ، وهو جالس لم يقم ، فبقي الدواداري قائما قدامه يحدثه ، وزين الدين يسأله ، لا هو يجلس ، ولا زين الدين يقول له اجلس ، ثم أمره بالجلوس فجلس على ركبتيه متأدبا بين يديه ، ثم أنعم علينا بجملة طائلة تقارب خمسة عشر ألف درهم . قلت : وقد كان يحلف منهم الشيخ عز الدين أميرا ، وأمّر ، وبقي مدة أميرا بدمشق ، ثم بصفد ، ثم بدمشق ، ثم ترك الإمارة ، وآثر الانقطاع ، وأقام بالمزة ، وكانت الأكراد تأتيه من كل قطر بصفايا أموالها ، تقربا إليه ، ومنهم على ما حكى من كان يجلس بين يديه . ثم إنه أراد الخروج على السلطان وتبعه طوائف الأكراد من كل بلد ، وباعوا أموالهم بالهوان ، واشتروا الخيل والسلاح ، وآلات الحرب ، ووعد رجالا ممن تبعه بالنيابات الكبار ، ونزل بأرض اللجون ، وأتى السلطان خبرهم ، وأنهم على هذا لم يؤذوا أحدا في نفس ولا مال ، وإنما يبيعون أموالهم بالرخص ، ويشترون الخيل والسلاح بالغالي ، فأمر تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم ، وقصّ آثارهم ، وأمسك السلطان من كان بالزاوية العدوية بالقرافة . واختلفت الأخبار ؛ فقيل : إنهم يريدون سلطنة مصر ، وقيل : بل كانوا يريدون ملك اليمن ، وقلق السلطان لأمرهم ، وأهمه ، إلى أن أمسك تنكز نائب الشام عز الدين المذكور ، وأودع الاعتقال ، حتى مات ، وفرق الأكراد ، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة . ومولد الشيخ عدي بقرية يقال لها " بيت فار " من أعمال بعلبك ، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن « 1 » . وتوفي سنة سبع ، وقيل : سنة خمس وخمسين وخمسمائة « 2 » ، في بلده بالهكارية ،

--> ( 1 ) وفيات الأعيان 3 / 254 . ( 2 ) في تاريخ إربل أنه توفي سنة 555 هجرية ، وفيها : أورده في " البداية والنهاية " .